الشيخ محمد هادي معرفة

61

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

تلك مقالة الأشعري الصريحة في الجبر ، يرى من علمه تعالى بوقوع الأشياء سببا حتميّا للوقوع ، ويكون العبد مرغما في فعل ما علم اللّه أنّه يفعله . وزاد : أنّ العبد لاقدرة له على فعل ، إلّا إذا كان اللّه قد أراد ذلك الفعل ، فالعبد في أفعاله تابع لإرادة اللّه ومشيئته الخاصّة ، « وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ » . « 1 » وهكذا زعم أنّ الكافر مجبر على الكفر ، لا يستطيع الإقلاع عنه ، قال - في مسألة « الاستطاعة » - : « ويقال لهم - أي للقدرية ، ويريد بهم المعتزلة - : أليست استطاعة الإيمان نعمة من اللّه وفضلًا وإحسانا ؟ فإذا قالوا : نعم ، قيل لهم : فما أنكرتم أن يكون توفيقا وتسديدا ؟ فلابدّ من الإجابة إلى ذلك ، يقال لهم : فإذا كان الكافرون قادرين على الإيمان ، فما أنكرتم أن يكونوا موفّقين للإيمان ، ولو كانوا موفّقين مسدّدين لكانوا ممدوحين ، وإذا لم يجز ذلك لم يجز أن يكونوا على الإيمان قادرين ووجب أن يكون اللّه - عزّوجلّ - اختص بالقدرة على إيمان المؤمنين » . وقال - في نهاية المسألة - : وإن سألوا عن قول اللّه عزّوجلّ : « وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ » « 2 » فالجواب عن ذلك : إنّ اللّه عزّوجلّ إنّما عنى المؤمنين ، دون الكافرين ، لأنّه أخبر أنّه ذرأ لجهنم كثيرا من خلقه ، فالذين خلقهم لجهنّم وأحصاهم وعدّهم ، وكتب بأسمائهم وأسماء آبائهم وأُمهاتهم ، غير الذين خلقهم لعبادته » . « 3 » وبمثل ذلك قال في مسألة « الهداية والضلال » وغيرها من مسائل تكشف عن جزمه بمسألة الجبر في التكليف والإيمان والكفر ، وسلب قدرة العباد عمّا قدّر اللّه لهم في الأزل ، ثمّ يذكر روايات في القدر يعتمدها في تشييد مذهبه في نفي الاستطاعة . « 4 » * * * وقد زعم بعضهم أنّ عويصة « مسألة الكسب » لا يمكن حلّها إلّا بالكشف الصوفي ،

--> ( 1 ) - الإنسان 30 : 76 . ( 2 ) - الذاريات 56 : 51 . ( 3 ) - الإبانة : ص 109 - 113 . وراجع : ص 117 و 120 فما بعد . ( 4 ) - المصدر ، ص 123 - 138 .